الهجرة غير الشرعية و مستقبل التعاون الأورومغربى

Typography

الهجرة غير الشرعية ومستقبل التعاون الأورومغربى

كتب: مصطفى صلاح

يحتل ملف الهجرة غير الشرعية طاولة المفاوضات على الدوام للحكومات الأوروبية، خاصة بعد تزايد أعداد الوافدين إليها وتعقد وضعهم القانونى فى تلك الدول، فى محاولة منهم لإيجاد حلول جذرية لمثل هذه المشاكل المتفاقمة وسبل تعزيز مواجهة حركة الهجرة غير الشرعية.

ولعل أبرز سبل المواجهة هو التعاون مع الحكومة المغربية فى هذا الملف وما يمكن أن تقدمه المغرب لأوروبا من السير معا فى مواجهة تدفق المهاجرين غير الشرعيين.

شكل المغرب ولسنوات ماضية النقطة الأساسية الجاذبة للمهاجرين السريين الأفارقة للولوج إلى البلدان الأوروبية، خاصة بعد تشديد الخناق على ليبيا، وغلق الطرق البحرية بينها وبين إيطاليا، مما أدى لتحوّل المهاجرين الأفارقة إلى المغرب.

ويجتاز هؤلاء مئات الآلاف من الكيلومترات، من أقصى القارة على ضفاف الأطلسي إلى أدناها على ضفاف المتوسط،، وقد بذل المغرب وأسبانيا جهودا مشتركة عدة للحيلولة دون تدفق المهاجرين إلى الجانب الآخر من المتوسط.

أوروبا والمغرب تعاون مثمر

تمثل المغرب أكثر الوجهات العربية تدفقا للمهاجرين الأفارقة وغيرهم كبوابة للوصول إلى القارة الأوروبية، وعلى هذا جاء التعاون الأوروبى المغربى، على خلفية نجاح المغرب فى مواجهة تدفق المهاجرين.

حيث تمكن المغرب من التحول من أرض إنطلاق المهاجرين إلى أوروبا، إلى مكان لاستقرار المهاجرين الذين كانوا ينتوون عبور المتوسط لأوروبا. هذه السياسة المغربية الجديدة كانت بمثابة الداعم الأول لتطوير التعاون الأوروبى المغربى فى هذا الملف، حيث كان اهتمام المغرب فى اتجاه تدبير وتقنين ومراقبة المهاجرين إلى الخارج.

كما أن القيود والإجراءات، فضلا عن الأزمة الاقتصادية التي ضربت أوروبا، جعلتها تنظر للمغرب على أنها نقطة استقرار لهؤلاء المهاجرين، بعدما كان في السابق مجرد نقطة عبور.

وكان لتبعات السياسة المغربية الجديدة أثرها على العلاقات المغربية الأوروبية، حيث قام الاتحاد الأوربي بتوقيع العديد من الاتفاقيات فى هذا الشأن، من خلال التمويل النقدى لتعزيز سياسات المغرب في مجال الهجرة، ودعم الاستراتيجيات الوطنية فى مواجهة مشاكل الهجرة واللجوء.

فمنذ مارس سنة 1992م، وقعت المغرب على أول اتفاقية تسمح لإسبانيا بترحيل المهاجرين المغاربة، الذين يعبرون إليها بطريقة غير قانونية وغير نظامية، وأعقبها اتفاقية أخرى سنة 2007م، تسمح لإسبانيا بترحيل مهاجرين مغاربة من القاصرين غير المرافقين، واتفاقية 2012م، التي يسمح المغرب بموجبها بعودة المهاجرين من غير مواطنيه إليه، أو ما يُسمى في الصحافة الإسبانية، بالعودة فوق المياه الدافئة.

وتوج هذا التعاون بتوقيع اتفاقية للتعاون فى ملف المهاجرين يوم 19 ديسمبر 2017م، بين كل من السيد "محمد بوسعيد" وزير الاقتصاد والمالية والسيد "عبدالكريم بنعتيق" الوزير المنتدب لدى وزير الخارجية والتعاون الدولى المكلف بالمغاربة المقيمين بالخارج وشئون الهجرة مع الطرف الأوروبي ممثلا فى السيدة "كلاوديا فيداى" سفيرة الاتحاد الأوروبى بالمغرب.

هذه الاتفاقية ضمن برنامج متكامل يضع المهاجرين فى صلب عمله والذى خُصص له غلاف مادى يقدر بـــ 390 مليون درهم على مدار 4 سنوات ويشمل البرنامج:

1) تقويه الإطار التشريعى والمؤسساتى لتعزيز حماية المهاجرين.

2) تعزيز وتسهيل عملية الإدماج السوسيو اقتصادى للمهاجرين.

3) إدماج المهاجرين الذين تمت تسوية وضعيتهم في سوق الشغل.

4) توسيع برنامج العودة الطوعية للمهاجرين بالمغرب لبلدانهم الأصلي.

ويأتي التعاون الأوروبى مع المغرب فى إطار هدفين أساسيين يتعلقان بمنع المهاجرين من الوصول إلى بلدان الاستقبال الأوروبى عوضا عن ترحيل الذين وصلوا إلى التراب الأوروبى، وذلك من خلال تقوية المراقبة داخل البلدان المصدرة للمهاجرين وتبنى سياسات من شأنها مواجهة تدفق المهاجرين بالإضافة إلى ربط المساعدات الأوروبية إلا عن طريق التعاون فى مجال الهجرة.

وعلى ذلك وقعت المغرب والاتحاد الأوروبى فى مدينة لوكسيمبرج يوم 7 يونيو 2013م إعلانا سياسيا مشتركا يمهد الطريق لتعاون طويل ووثيق في مجال الهجرة وتدابير تنقل الأشخاص.

وبذلك يعتبر المغرب أول بلد بالمنطقة المتوسطية ينخرط معه الاتحاد الأوروبي في هذا النوع من الشراكة التي ستفضي إلى إرساء مجموعة من التدابير الكفيلة بضمان تدبير جيد لتنقل الأشخاص بين الجانبين.

ويلتزم الاتحاد الأوروبي بمساعدة المغرب على تعزيز قدراته على المستويات التشريعية والمؤسساتية والعملية في كل المجالات المتصلة بالهجرة، بما في ذلك الوقاية من الهجرة غير الشرعية وشبكات التهريب والاتجار بالبشر ومكافحتها وإحداث نظام وطني للجوء والحماية الدولية.

وفي ديسمبر 2013 وجه الملك محمد السادس رسالة إلى المجتمعين في القمة الفرنسية ـ الأفريقية المنعقدة في باريس، يطالب فيها بإقامة "ائتلاف أفريقي للهجرة والتنمية"، يشكل إطارا موحدا يبحث مخاطر الهجرة غير الشرعية، وفرص الهجرة القانونية والتنمية المشتركة، على أساس تقاسم المسؤولية بين أفريقيا وأوروبا.

المغرب: الصف الأول للمواجهة

يجد المغرب نفسه محاطا بتحديات هائلة جراء تدفق المهاجرين الأفارقة نحوه فالضرورة القانونية وحقوق الإنسان والاتفاقيات التي صادق عليها المغرب وموارد البلاد المتواضعة وضرورة الحفاظ على علاقة جيدة مع الدول الأفريقية وكذلك الأوروبية، كل هذه الأمور تضع المغرب أمام خيارات صعبة، وبما أن جلّ الدول المصدّرة للمهاجرين ليست لها مصلحة في استقبال من ترّحلهم الدول الأوروبية، فقد لجأ الاتحاد الأوروبي إلى تقديم مقابل لهذه البلدان لضمان تعاونها، من ذلك مقابل مادي يتجلى في أموال المساعدات، وكذا في عقد اتفاقيات أمنية واقتصادية معها.

وعلى خلفية ذلك انتهجت المغرب خلال السنوات الماضية أساليب عديدة فى مواجهة ظاهرة تدفق الهجرة غير الشرعية، وتعددت أساليب المواجهات بين السياسات الأمنية والاقتصادية، فعزز المغرب الحراسة الأمنية على سواحله ومختلف المنافذ البحرية التى يسلك منها المهاجرون، عوضا عن مواجهة شبكات التهجير الناشطة فى مجال تهريب البشر، فى حين تمكنت السلطات المغربية في سنة 2014م وحدها من تفكيك 105 عصابة إجرامية تنشط في ميدان التهريب والاتجار بالبشر.

كما وضعت المغرب قانونا جديدا للهجرة، دخل حيز التنفيذ في يناير 2014م، والذى يقوم على تسوية أوضاع المهاجرين إليها ولم يصبحوا عرضة للترحيل كما كان، عوضا عن عدم التعامل معهم على أساس أنهم مجرمين، وإصدار تصاريح إقامة لهم ولذويهم.

وفى الجوانب الاقتصادية عملت المغرب على إدماج المهاجرين من بلدان الصحراء والساحل وذلك من خلال الشراكة مع الاتحاد الأوربي، ففي عام 2008م وقعت المغرب مع الاتحاد الأوربي ما يعرف باتفاقية "الاتحاد من أجل المتوسط" الذى طرحه الرئيس الفرنسي الأسبق "نيكولا ساركوزي" وحصول المغرب على "الوضع المتقدم" من أجل إتمام الشراكة الأورومتوسطية والذى يقوم على تجاوز الخلافات وتحقيق التعاون فى مجال الأمن والاقتصاد، بعد أن كانت دول شمال المتوسط تدفع بلدان الجنوب إلى تحمل كلفة محاربة الهجرة غير الشرعية دون تقاسم المسؤوليات.

وأثبت الأرقام تقلص أعداد المهاجرين بفضل التنسيق بين المغرب وبلدان الاتحاد الأوروبى وخاصة إسبانيا، حيث تقلص عدد المهاجرين خلال عامي 2012م و 2013م إلى 83 مهاجرا بعد أن كان 1672.

وقوبلت سياسة المغرب تجاه موضوع الهجرة ترحيبا من البلدان الأوروبية والمنظمات الأوروبية ذات الاهتمام بالهجرة، ففي فبراير 2015م، أعلنت المفوضية السامية لشئون اللاجئين أن جهود المغرب فى محاربة الهجرة غير المشروعة تؤتى ثمارها وقال "جان بول كافلييرى" ممثل المفوضية فى الرباط أن المغرب من البلدان القلائل التى تولى اهتماما بمسألة مواجهة الهجرة غير المشروعة.

كما أعلن "ويليام لايسى سوينج" المدير العام للمنظمة الدولية للهجرة فى مارس 2015م، أن السياسة الجديدة التى أطلقها الملك محمد السادس قد نجحت فى وضع استراتيجية وطنية خاصة بالهجرة.

إجمالا: يمكن القول بأن الدول الأوربية تحاول قد المستطاع مقاومة تدفق المهاجرين إليها، من خلال التعاون مع الدول المصدرة للمهاجرين وتبنى سياسات من شأنها مساندة حكومات تلك الدول وخاصة المغرب التى كانت واجهت هذا الملف بالكثير من التعاون الاستراتيجي مع الاتحاد الأوربي. حيث صار المغرب شريكا أساسيا للسياسة الأوروبية فى ميدان مكافحة الهجرة غير الشرعية.

 

 

 

 

 

 

 

 

BLOG COMMENTS POWERED BY DISQUS