بهاء محمود
تمثل قضية الهجرة غير النظامية أحدى أولويات قضايا السياسة الخارجية المصرية بعد ثورة 30 يونيو نظرا لما ترتبط به من تداعيات مباشرة على الأمن القومي المصري كون مصر من دول المعبر وكذلك من دول الإرسال ,ومن جانب أخر ارتباط القضية بمفهوم الأمن الإنساني نتيجة التأثير المباشر على خروج الكفاءات المصرية والوطنية للخارج بدون عائد اقتصادي تستفيد به الدولة ,فضلا عن تعميق شعور عن الانسلاخ الهوية ,ومن هنا ركزت السياسة الخارجية على أبعاد لعب دور أقليمى ودولي بما يخدم حل القضية ,ودعم مكانة مصر وعودتها كلاعب رئيسي في المنطقة.
أولا الإطار النظري:
ثمة تعريفات عدة لمفهوم الهجرة غير الشرعية من جوانب قانونية وإنسانية واقتصادية ,وفي ضوء تعدد التفاسير والمفاهيم للقضية , وسوف يتم الاقتصار هنا على مفهوم اللجنة الدستورية والقانونية لمجلس النواب ,وكذلك التعريف كما ورد في سياق اللجنة الوطنية التنسيقية لمكافحة الهجرة غير الشرعية:
-1-التعريف كما ورد في ديباجة تقرير لجنة الشئون الدستورية ولجنة العلاقات الخارجية : تدبير الدخول غير المشروع لشخص ما إلى دولة طرف ليس ذلك الشخص من رعاياها أو من المقيمين الدائمين فيها، وذلك من أجل الحصول، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على منفعة مالية أو منفعة مادية أخرى[1]
2-التعريف طبقا للجنة الوطنية التنسيقية لمكافحة الهجرة غير الشرعية[2]:
الهجرة خارج المعايير التنظيمية للدولة المرسلة أو دولة العبور أو الدولة المستقبلة للمهاجرين. ومن وجهة نظر الدولة المستقبلة فإنها تتضمن الدخول أو الإقامة أو العمل بصورة غير قانونية في البلاد. أما من وجهة نظر الدولة المرسلة فهو يتضمن مخالفة اللوائح والقوانين في حالات مثل قيام الشخص بعبور الحدود الدولية دون جواز سفر صالح أو وثائق سفر أو كان غير مستوفٍ للشروط الإدارية لمغادرة البلاد. إلا أن المصطلح يرتبط أكثر بحالات تهريب المهاجرين بطريقة غير شرعية/ قانونية.
الفرق بين التعريفين: التعريف القانون للبرلمان قصر الهجرة على حالات المنفعة ,فيما لم يبرز أسباب أخرى للهجرة من بينها الاضطهاد الديني والعرقي , ويمكن تفسير سبب تفضيل اللجنة للتعريف المستفيض باعتبار أن اللجنة أدركت أبعاد الظاهرة والأطراف المتفاعلة في القضية,وهو أيضا ما يوضح سبب أنشاء اللجنة قبل وجود مجلس النواب وبعد فترة وجيزة من تولى الرئيس مقاليد الحكم ,والشروع في وضع ملامح السياسة الخارجية المصرية.
ثانيا: أسباب اهتمام مصر بقضية الهجرة الغير الشرعية
[1] تم اعتماد في التعريف لبروتوكول مكافحة تهريب المهاجرين المكمل لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية المادة الثالثة: http://hrlibrary.umn.edu/arab/P2orgCRIME.html
[2] http://nccpimandtip.gov.eg/ar/facts_and_estimates/terminologies/
دونت مصر لحالات الهجرة غير الشرعية وغرق مراكب الصيد- التي استخدمت كوسيلة للخروج غير الأمن إلى خارج الحدود المصرية – منتصف العقد الماضي فقط حين كثرت البلاغات المقدمة لوزارة الداخلية ,وان ظلت فترة معتمدة على الأرقام المعلنة من دول الاستقبال مثل اليونان وايطاليا وغيرها ,ثم عقب ثورات الربيع العربي واختراق الحدود لدول الوطن العربي وضعف الحالة الأمنية ما بعد 2011,وتداعيات الحرب الأهلية في سوريا واليمن وما تمر به العراق,وما يؤخذ في الحسبان من ارتباط الهجرة غير الشرعية بظاهرة الاتجار البشر ,وتدفق اللاجئين هربا من ويلات الحروب , وفي المجمل كون قضية الهجرة الغير الشرعية تعود إلي ما قبل الثورات يمكن بيان أهم أسباب القضية فيما يلي :
1-كثرة الحوادث
. نشطت عمليات الهجرة غير الشرعية والتهريب فى السنوات الأخيرة بين الحدود بين شمال وجنوب البحر الأبيض المتوسط , خاصة من قبل دول شمال أفريقيا والدول العربية التي عانت من بعد 2011من سقوط أنظمتها الحاكمة, وعسكرة الثورات بالأكثر سوريا وليبيا . عانت مصر- كغيرها من دول جنوب المتوسط- من تنامي ظاهرة الهجرة غير الشرعية , والتي يعود تدوينها لعام 2001. زادت معدلات الهجرة غير الشرعية من مصر خلال الفترة من 2011وحتى 2015 , بصورة جعلت مصر تحتل مركز متقدم كدولة مصدرة للهجرة غير الشرعية ومعبر أيضا للمهاجرين من جنسيات مختلفة بالإضافة لكونها دولة مستقبلة للاجئين .استمرار حوادث غرق مراكب الهجرة غير الشرعية فى سواحل البحر المتوسط , أمر هدد امن مصر القومي , التي تفقد من حين لأخر العشرات والمئات من أبنائها في مراكب الموت , فضلا عن اختراق حدودها متسللا إليها العناصر الإجرامية.
2- وبعد غلق الأبواب الشرعية في وجه المهاجرين المصريين وغيرهم من الجنسيات , نشط سماسرة التهريب ومحترفي اختراق الحدود والاتجار بالبشر وبدأت معاناة الدول المصدرة والمستقبلة من أخطار الهجرة غير الشرعية تزيد يوما بعد يوم مقارنة بالأوضاع السابقة من قبل سقوط بعض الأنظمة العربية عام 2011 وما يليها, وخلال الفترة من 2012 وحتى الآن. و اتسمت الحالة المصرية بالخصوصية والاختلاف عن مثيلاتها من دول الجوار , لكونها دولة مصدرة للهجرة ومعبر ومستقبلة.
بالنظر في أسباب الهجرة- بنوعيها الشرعية وغير الشرعية- نجد أن أهم الأسباب التي تؤثر وتدفع المهاجر للرحيل هي الدوافع الاقتصادية والعوامل السياسية والاجتماعية تأتى بالتبعية. غير أن الظروف السياسية والتركيبة الاجتماعية المصرية جعلت الدوافع مختلفة نسبيا في تطورها وخصوصيتها ,ويمكن رصد العوامل الأكثر تأثيرا كالاتى:
- العوامل الاقتصادية:تأتى فى مقدمة الدوافع المحركة للهجرة الغير الشرعية , متمثلة فى قلة فرص العمل , وانخفاض معدلات النمو, و انخفاض الأجور, العكس تماما فى الدول الغربية ( خاصة شمال البحر الأبيض المتوسط) من ارتفاع للأجور, و ارتفاع معدلات نمو,و مستويات معيشة أفضل ناتجة عن تقدم اقتصادي.ب-الدوافع الاجتماعية:ترتبط بشكل مباشر بالعوامل الاقتصادية , فتدنى مستوى المعيشة وارتفاع معدلات البطالة يؤثران على الرغبات النفسية والاجتماعية , فى البحث عن الوجاهة الاجتماعية ,و تخطى مرحلة الفقر وإشباع كافة الاحتياجات الاجتماعية والنفسية من أمثلة إثبات الذات والإحساس بالأمان الاجتماعي -عبر تكوين ثروة - وغيرها من الاحتياجات الاجتماعية والنفسية .
ج- المحاكاة والتقليد: توضح دراسات الهجرة الشرعية وغير الشرعية الدور الكبير الذي يلعبه التقليد فى إذكاء الشباب نحو الهجرة , فالتجارب الناجحة والعودة بمستويات مادية مرتفعة , يغرى الآخرين من أصحاب الدخول المنخفضة و تثير الإعجاب لديهم كلما زادات أساليب الانفاق الاستهلاكي وطرق الاستعراض وظهور الثراء المبالغ فيه , فتدفع الافراد نحو سلك كل السبل للعبور نحو الغرب ولو على حساب المخاطرة بحياتهم .د- الإحباط والشعور باليأس : خلال الخمس السنوات الماضية زاد الشعور العام بالإحباط من التغير السريع وتحقيق طموحات الشباب في الوصول لحياة كريمة وتطبيق مفهوم "العدالة اجتماعية " عبر إجراءات وتشريعات انتقالية تلبي نداء الشباب , هذا الشعور العام بالإحباط واليأس دفع الكثيرين لسلك طرق الهجرة غير الشرعية مهما كلفهم ذلك , مفضلين التضحية والمخاطرة -فى مراكب الموت – عن الانتظار فى الوطن .
حجم الظاهرة وبداية التدوين الرسمى: بدأ التدوين الرسمى فى مصر عام2001[1],ففي هذا العام تم القبض على 649شابا , ثم ازداد العدد من الشباب تدريجيا ليصل عام 2007 نحو 5102 شابا , ويكشف الواقع عن تزايد ملحوظ للمهاجرين المصريين بطرق غير شرعية , اذ تشير الاحصائيات الى احتلال مصر الترتيب السابع بين أعلى عشر جنسيات للمهاجرين المهربين فى البحر الى ايطاليا خلال الفترة 2012-2015, كما تحتل الترتيب 11 بين اعلى الدول المرسلة للمهاجرين غير الشرعيين لليونان , والترتيب العاشر للهجرة غير الشرعية بالنسبة لمالطا[2].وحسب الدراستين التى قام بها المركز القومى للبحوث الجنائية والاجتماعية فى عام 2010 و2015 نلحظ ما يلى :ا-المحافظات المصدرة للهجرة غير الشرعية مازالت كما هى سواء فى الوجه القبلي او الوجه البحرى مثل(الدقهلية – الشرقية – القليوبية- كفر الشيخ - الغربية –المنوفية – البحرية- اسيوط- الفيوم – الاقصر) ب- حسب إحصاء مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار, فان معدلات ونسب الفقر وحجم البطالة في تلك المحافظات فى ازدياد , حيث زاد حجم البطالة فى محفاظة الدقهلية من 12% عام 2006 ليصل 14.10 عام 2012, والفقراء نسبة الى حجم السكان فى محافظة الأقصر زاد من 18.4 عام 2006 ليصل47%عام 2013.
ثالثا مظاهر الاهتمام:
اتخذت مصر العديد من مسارات والتحركات علي المستويات الثلاث الثنائية والإقليمية والدولية ,تجلت فيها اهتمام مصر المعبر عن إدراكها لأبعاد القضية وخطرها على الجميع ,ومحتوية على محددات السياسة الخارجية المصرية في هذا الشأن ,من رفض فكرة مراكز الإيواء والمقايضة على مساعدات مالية بدلا منها , استنادا على التجربة المصرية في اندماج السوريين ومن قبلهم السودانيين في مصر دون خيم لجوء أو مراكز إيواء, وكذلك استثمار العمل على قضايا التنمية والأعمار الداخلي كخيارا بديلا وأساسيا لازمة الهجرة غير الشرعية ,ومن ثم يتبقي الجوانب الأمنية وحماية ومراقبة الحدود, وبرزت الجهود على شكل إجراءات داخلية ذات أبعاد خارجية شملت تشكيل اللجنة الوطنية التنسيقية لمكافحة الهجرة غير الشرعية, كإجراء تنفيذي , ثم خروج قانون الهجرة غير الشرعية من قبل لجنة العلاقات الخارجية بالبرلمان المصري لمراعاة الجوانب القانونية في مسيرة الجهود ,وذلك بجوار الجهود الخارجية متمثلة في وزارة الخارجية المصرية وتركيز الرئيس في عملية استعادة الدور الخارجي على تضمين خطابه الدائم لخطورة القضية وعرض الإستراتيجية المصرية والرؤية المتبناة,ورغم تأخر التدوين الرسمي لعمليات الهجرة الغيرة الشرعية والاعتماد في اغلب الأحيان على بيانات دول الاستقبال , إلا أن ثمة جهود تبذل ليست بالقليلة, تتم وفق عدة محاور ومسارات يتداخل فيها عمل أجهزة ومؤسسات مصرية عديدة سوف يتم التركيز هنا على الجهود الخارجية , ورؤية الاتحاد الأوروبي:
-عمل اللجنة الوطنية التنسيقية لمكافحة الهجرة غير الشرعية :
تشكلت اللجنة الوطنية التنسيقية لمكافحة ومنع الهجرة غير الشرعية بموجب قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 380 لسنة 2014 الصادر فى 9 مارس 2014 وتضم في عضويتها ممثلين عن وزارات : الخارجية والدفاع والداخلية والعدل والقوي العاملة والهجرة والتضامن الاجتماعي والتنمية المحلية والتخطيط والتعاون الدولي والإعلام والشباب والرياضة ، وممثلين ن النيابة العامة والمخابرات العامة والهيئة العامة للاستعلامات والصندوق الاجتماعي للتنمية والمجلس القومي لحقوق الإنسان والمجلس القومي للأمومة والطفولة والمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية واثنين من الخبراء يتم ترشيحهما من رئيس اللجنة ، وتعقد اللجنة بكامل هيئتها اجتماعاتها كل شهرين وذلك بخلاف الاجتماعات المستمرة لـ 7 مجموعات عمل فنية منبثقة عن اللجنة وأهمها مجموعة العمل القانونية ، وتعمل اللجنة علي تنسيق السياسات والجهود الحكومية في مجال مكافحة ومنع الهجرة غير الشرعية ، وتتولي التنسيق بين الجهات الحكومية الممثلة فيها وسائر الأطراف غير الحكومية وتعمل كمرجعية استشارية للسلطات والجهات والهيئات الوطنية في هذا المجال[3].
في مقال[4] للسفيرة نائلة جبر حول الجهود المصرية وسبب الحاجة لإنشاء لجنة الوطنية تنسيقية لمكافحة الهجرة غير الشرعية,أبرزت أهم الخطوات العمل وهى كالأتي:
ا- الجهود الخارجية للجنة:
- التنسيق مع المنظمة الدولية للهجرة، بإعداد دراسة حول المكونات الرئيسية لحملة إعلانية.
حيث قامت اللجنة بالتواصل مع وسائل الإعلام المحلية والدولية، من أجل تسليط الضوء على الأضرار الناتجة عن الهجرة غير الشرعية من ناحية والبدائل الاقتصادية في مصر من ناحية أخرى.
- تعزيز التعاون الإقليمي، لا سيما مع جيراننا الأفارقة
- عملت اللجنة بشكل وثيق مع وزارة الخارجية المصرية على توفير برامج تدريبية وأخري لبناء القدرات للدبلوماسيين والمسئولين الأفارقة في مجال تحقيق العدالة.
وفي إطار الجهود المصرية الخارجية وتنسيق عمل وزارة الخارجية مع اللجنة الوطنية , لعبت مصر دوراً محوريا في إطار عملية الخرطوم بين الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي، وهي العملية التي تهدف إلى إقامة حوار دائم بين بلدان المنشأ والعبور والمقصد حول ظاهرة الهجرة غير الشرعية.
الجهود الداخلية للجنة:تمثلت الجهود الداخلية في اعداد مشروع تشريع موحد لمعالجة قضية الهجرة غير الشرعية
وقد قامت مجموعة العمل القانونية التى شكلتها اللجنة الوطنية بوضع مشروع قانون متكامل للتعامل مع الهجرة غير الشرعية فى ضوء التزامات مصر الناشئة عن انضمامها للمواثيق المشار إليها وفى ضوء خطورة جريمة تهريب المهاجرين وما يستتبعها من ضياع لأرواح وأموال العديد من المواطنين الذين يطمحون فى السفر إلى الخارج. وركز القانون على وضع تعريف لجريمة التهريب وذلك للمرة الأولى فى المنظومة التشريعية المصرية وتغليظ العقوبة على مقترفيها من المُهربين والسماسرة.
وقد تم عرض مشروع القانون علي كافة الجهات الوطنية الأعضاء في اللجنة الوطنية التنسيقية لمكافحة ومنع الهجرة غير الشرعية 18 وزارة/هيئة و المجلس القومى لحقوق الانسان والمجلس القومى للطفولة والامومة وتم إقراره، وذلك قبل موافاة وزارة العدالة الانتقالية به بتاريخ 04/07/2015 تمهيداً لإصداره
- اجتمعت اللجنة الوطنية التنسيقية لمكافحة ومنع الهجرة غير الشرعية بلجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشعب برئاسة السفير محمد العرابي يوم 11 يونيو 2016، وشارك في المقابلة ممثلون عن النيابة العامة والمجلس القومي للطفولة والأمومة ووزارة التنمية المحلية ووزارة الخارجية بصفتهم أعضاء في اللجنة الوطنية.
أبرزت السفيرة نائلة جبر رئيس اللجنة الوطنية حرص اللجنة على فتح حوار مع لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب لما لملف الهجرة غير الشرعية من تأثير هام على علاقات مصر الثنائية، والإقليمية والدولية:وهو ما أسفر عن خروج القانون في نوفمبر2016
- وضع خارطة إحصائية للمحافظات المصرية التي تحظي بأعلى معدلات التعرض لخطورة الهجرة غير الشرعية
وبدت فلسفة خروج القانون مرتكزة على أبعاد و أدور وإستراتيجية مصر الخارجية,متمثلة في النقاط التالية:
المستوى الثنائي: يؤثر تعامل مصر مع هذا الملف على علاقاتها مع دول حوض البحر المتوسط وفي مقدمتها إيطاليا واليونان وبدرجة أقل مالطا.
وعلى المستوى الإقليمي: فإن ملف الهجرة غير الشرعية من الملفات التي يمكن لمصر أن تلعب فيها دور ريادي على مستوى القارة في ضوء ما لديها من خبرات في هذا المجال.
وعلى المستوى الدولي: فإن مصر عليها التزامات دولية بموجب تصديقها على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية، وبروتوكول باليرمو (2)، ومن ثم فإن وجود آلية وطنية تنسيقية لمكافحة الهجرة غير الشرعية على غرار اللجنة الوطنية من شأنه أن يعزز مصداقية مصر على الصعيد الدولي، ويعكس جديتنا في التحرك لمكافحة الهجرة غير لشرعية، ومن ثم يساعد على دعم تعاوننا مع المنظمات الدولية ذات الصلة وحصولنا على دعمها المادي والفني.
–حدود التعاون المصري الأوربي والسياسات المتبعة :
يعود تاريخ الهجرة الأوربية لاوائل الثلاثينات وقبل الحرب العالمية الثانية , حيث ساعدت الهجرة الوافدة اليها لسد حاجتها من العمالة فى مجال الصناعات الثقيلة , لكن مع اوائل السبعينات وغلق مناحم الفحم فى فرنسا وبلجيكا , لم تعد بالحاجة لاستقدام عمالة جديدة والاكتفاء نسبيا .
ا-سياسات الاتحاد الاوربي:
حيث لم يكن الاتحاد الاوربي على هيئته الحالية , حين بدات تتغير سياسة الهجرة من التشجيع للتضيق وفرض قيود عليها . زادت القيود المفروض اكثر بعد اتفااقية شينجن [5],والتوسع الاوربي نحو دول شرق اوربا , أو ما يسمى" الجوار الشرقي" , ثم تطبيق مبدء الحريات الاربع ( حرية انتقال السلع والخدمات والعمالة ورؤوس الاموال) .فى 2004 انتهج الاتحاد الاوربي سياسة جديدة مع جيرانه من جنوب المتوسط سميت" بسياسة الجوار الاوربي"[6]
ونظرا لمخاطر الهجرة غير الشرعية على الاتحاد الاوربي نظمت سلطاته عدة اجتماعات ثنائية وجماعية من اجل ايجاد حل للهجرة غير الشرعية . وركزت تلك الاجتماعات على مناقشة الازمة مع دول شمال افريقيا والمغرب العربي فى اطار ثلاث محاور رئيسية 1- التحكم الجيد فى الهجرة النظامية لدول الاتحاد الاوربي.2 -حماية الحدود الخارجية للاتحاد الاوربي 3- تدعيم سبل التعاون والشراكة مع جيرانه الجنوبيين .لم تفلح الجهود الاوربية فى وقف الهجرة
غير الشرعية عبر حدودها واستمرت اعداد المهاجرين فى ازدياد, بحسب المتاح من بيانات وزارة الداخلية الايطالية والاسبانية وببيانات المفوضية الاوربية , وقدرت الاعداد خلال الفترة من 1998 وحتى 2013حوالى 44 الف مهاجر غير شرعي ,وعام 2014 تخطى العدد 220ألفا , هذا فضلا عن اعداد الذين تم تهريبهم بنجاح او فقدوا او توفوا. تركزت استراتيجية الاتحاد الاوربي مع دول جنوب المتوسط فى منع المهاجرين غير الشرعين بالقوة من التسلل لحدود اوربا . وتمثلت اهم الاليات التى تبنتها الدول الاوربية مايلى :1-انشاء معسكرات احتجاز للمتسللين لتمهيد لاعادتهم الى اوطانهم مرة اخرى.2-أسلوب الترحيل حيث يتم فرض رقابة شديدة على ترحيل المهاجرين ودفع نقود لهم للعودة مرة اخرى.3-الاتفاقيات الامنية وتشديد الحراسةعلى الحدود الاوربية , من خلال عقد اتفاقيات ثنائية مع دول شمال افريقيا من اجل مكافحة الهجرة غير الشرعية , مثال الاتفاق المبرم بين ايطاليا وليبيا بطرابلس عام 2007.واتخذت عدة اجراءات لتشديد الحراسة منها تشكيل قوات خاصةيمكنها ان تتدخل برا وبحر لاعتبارات انسانية وسميت ب"قوات الاوروفورس". ومن ضمن الاجراءات ايضا انشاء وكالة فرونتكس , التى تختص بمراقبة الحدود الدولية لدول اعضاء الاتحاد .
ب-التعاون المصري الاوربي:
بدأت العلاقات التعاقدية بين مصر والمجتمعات الاوربية عام 1976من خلال توقيع اتفاق للتعاون.دخل اتفاق المشاركة بين مصر والاتحاد الاوربي عام2004 , وتم اقرار خطة عمل سياسة الجوار الاوربى عام 2007, وهى تمثل امتداد لاطار التعاون الاقليمى فى الشراكة الاورمتوسطية التى بدات عام 1995وتم تعزيزها عام2008 من اخلاء انشاء الاتحاد من اجل المتوسط.بناء على شراكة سياسة الجوار الاوربي مع مصر , يقوم الاتحاد الاوربي بتقديم مساعدات مالية لمصر وفق جدول زمنى وآليات تموبيل متفق عليها مسبقا , مقابل اصلاحات في مجالات الديمقراطية والحكم الرشيد وملفات حقوق الانسان وملفات اصلاح الصحة والتعليم وغيرها من الاصلاحات السياسية والاجتماعية والاقتصادية , فضلا عن التعاون فى مجال السياسة الخارجية والامنية .وبناء عليه وقعت مصر عدة اتفاقيات فى مسائل العدل والامن وادارة الحدود واتفاقيات ثنائية في شأن الهجرة وحقوق المهاجرين ومحاربة الهجرة غير الشرعية ومنع الاتجار بالبشر.وبصفة عامة بلغت حافظة آلية تمويل الجوار الاوربي لمصر من 2007-2010 منحة قدرها 558مليون يورو , وكان مقترح مبلغ 449.3مليون يورو للفترة من 2011-2013.ووفق آليات التمويل خلال الورقة الاستراتيجية (2007-2013) المحددة بالطبع فى مجالات ثابتة للصرف , كان نصيب برنامج" دعم تحديث إدارة العدالة والأمن" مبلغ 10مليون يورو فقط , وهو مبلغ قليل جدا بالمقارنة بالمبلغ المحدد لدعم التنافسية الاقتصادية بقدر 220مليون يورو.[7] .ووفقا للأطر الحاكمة للعلاقات الثنائية بين مصر ودول الاتحاد الأوربي , وقعت مصر عدة اتفاقيات أمنية لحماية الحدود ومكافحة جريمة الاتجار بالبشر, وكذلك مكافحة الهجرة غير الشرعية, وكان أبرزها الأتي:
1-الاتفاق الأوربي المتوسطي لتأسيس مشاركة بين الحكومة المصرية من جانب ودول أعضاء الاتحاد الأوربي من جانب أخر عام 2002.
2-الاتفاقية الثنائية الموقعة بين مصر وايطاليا عام 2007لتوفيق أوضاع المصريين , ودعم مكافحة الهجرة غير الشرعية.
3- الاتفاقيتين الثنائيتين الموقعتين بين مصر وايطاليا عام 2011 لتعزيز التعاون في مجال معالجة الهجرة غير الشرعية, بدعم مباشر من المنظمة الدولية للهجرة.
4-تمويل ايطاليا مشروع "نظام معلومات الهجرة المتكامل" والذي تم تطبيقه خلال الفترة من 2003-2010.
5-في 9 يناير 2007 وقعت مصر مع ايطاليا اتفاقية أعادة التوطين , والتي تضمنت فترة كافية للسلطات المصرية لإعادة توطين مواطنيها مع توفيق أوضاع الآلاف من العمالة الموجودة .
6-تعاون الاتحاد الأوربي مع مصر فى مشروع يوروميد حول الهجرة والذي يتضمن أربع محاور هي تشريعات الهجرة,وهجرة العمل ,ومكافحة الهجرة غير الشرعية , والهجرة والتنمية.
7-شاركت مصر فى مشروع يوروستات حول إحصاءات الهجرة, والذي تم من خلال تنفيذ مسح شامل حول الهجرة الدولية في مصر عام 2013 بالتعاون مع الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
رؤية الاتحاد الأوروبي لمصر :
ثمة تباين في رؤية الاتحاد الأوروبي لمصر في مجال مكافحة الهجرة غير الشرعية ,عبر مسارين الأول مؤسسي وهو ما نتج عنه اتفاقيات التعاون وتقديم منح ,والمسار الثاني ثنائي بين الدول منفرد ,وابرز هذه الدول اليونان وايطاليا من جانب ,وألمانيا من جانب أخر,وكما ذكر آنفا طبيعة التعاون المصري الايطالي ,وبالنسبة للجانب الألماني فان رؤيته مختلفة وتعامله مع دول المنبع والمصدرة للهجرة مختلف ,وعلى سبيل المثال يري [8]فابريشه ليجيري، رئيس الوكالة الأوروبية لحماية الحدود "فرونتكس"، من الأوائل الذين أشاروا إلى تنامي ظاهرة الهجرة السرية عبر السواحل المصرية. ففي نهاية شهر يونيو/2016 صرح لمجموعة فونكه الألمانية قائلا: "مصر بدأت في التحول إلى بلد انطلاق" للمهاجرين، لافتا إلى أن العدد "يناهز ألف عملية عبور على سفن مهربين مصريين باتجاه إيطاليا والعدد في ازدياد,كما تبرز الصحف ايضا مسئولية مصر عن الاتجار في البشر قائلة: تهريب البشر "صناعة متطورة" في مصر؟
نقلت صحيفة "تسايت" الألمانية في عدد صدر عن "تيوسداي رايتانو"، من المبادرة العالمية ضد الجريمة المنظمة العابرة للحدود، بأن تهريب البشر في مصر إنما هو "صناعة متكتمة، ناجعة جدا وشديدة الفساد". ووفقا لمعلومات حصلت عليها منظمتها، فإن المهربين يقومون بنقل المهاجرين السريين على متن سفينة كبيرة، بطاقمها وتجر خلفها قوارب صغيرة، تنتظرهم في عرض البحر. وعند اقترابها من السواحل الإيطالية تقوم بإنزال هؤلاء المهاجرين السريين على متن القوارب وتتركهم يواصلون رحلتهم بأنفسهم. وبهذه الطريقة يحاول المهربون تضليل السلطات الإيطالية والحيلولة دون معرفتهم من أين أتى المهاجرون السريون ولا من هرّبهم.
وتوضح رايتانو أن "الطريق المصرية نحو أوروبا" هي أغلى بكثير من الطريق الليبية نحو أوروبا، لافتة إلى أن المهاجر السري يدفع ما بين 3000 و5000 دولار للرحلة، فيما لا يتجاوز سعر الرحلة من ليبيا 1500 دولار. ولكنها على الأقل أكثر أمنا من تلك الليبية.
-وعلى المستوى الحكومة الألمانية طرحت اتفاق[9] على مصر يدور حول:ترحيل 500ألف مهاجر غير شرعي إلي مراكز إيواء يتم إنشائها في مصر مقابل مساعدات مالية,وهو ما رفضته مصر على لسان خارجيتها ومسئوليها .
وفي المقابل دعمت ألمانيا تونس بقدر 34 مليون يورو لتأمين حدودها مع ليبيا [10], حيث أعلنت الحكومة الألمانية دعما ماليا لتونس بقيمة 34 مليون يورو لتأمين حدودها مع ليبيا، يتضمن تزويد تونس بأنظمة رادار متحركة وكاميرات واسعة المجال وأجهزة مراقبة إلكترونية، وذلك لوقف تهريب أسلحة وإرهابيين إليها من ليبيا,مما يكشف ثنائية المعايير في التعامل مع نفس الملف بالنسبة لمصر!
[1] -نجوى حافظ واخرون ,الشباب المصري والهجرة غير الشرعية , القاهرة ,منشورات المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية ص59
-صباح عبد الرحمن الغيص , ظاهرة الهجرة غير الشرعية فى دول مجلس التعاون وأسلوب ادراتها ومواجهتها , مركز الاعلام الامنى 2012 ص3[2]
[3] http://sis.gov.eg/Story/130914?lang=ar
[5] تأشيرة (شينغن) هي تأشيرة موحدة أصدرتها الدول المنضمة الى اتفاقية (Schengen). الدول الأعضاء هي:
ألمانيا، النمسا، بلجيكا، قبرص، الدنمارك، اسبانيا، استونيا،فنلندا، فرنسا، اليونان، هنغاريا، ايرلندا، ايطاليا، لاتفيا، ليتوانيا، لوكسمبورغ ، مالطا ، هولندا ، بولندا ، البرتغال، الجمهورية التشيكية، سلوفاكيا، السويد، أيسلندا، ليختنشتاين، النرويج. هذه الاتفاقية أزالت المراقبة على الحدود، وسمحت لمواطني هذه الدول بالحركة والحرية فـي التنقل. والتأشيرة التي تصدرها أية دولة من هذه الدول تصبح سارية المفعول فـي بقية الدول الداخلة ضمن هذه الاتفاقية. المملكة المتحدة ليست عضواً فـي هذه المجموعة.
تهدف السياسة الأوروبية للجوار إلى تقريب أوروبا من بلدان الجوار حفظا لمصالحها المتبادلة و قد تمّ تصميم السياسة اثر التوسّع الذي شهده الاتحاد الأوروبي سنة 2004 بدخول 10 بلدان أعضاء جديدة و ذلك لتجنّب خلق حدود جديدة داخل أوروبا.
تنظّم سياسة الجوار الأوروبيّة علاقات الاتحاد الأوروبي مع 16 بلدا من أقرب جيرانه شرقا و جنوبا و هي الجزائر و مصر و اسرائيل و الأردن ولبنان و ليبيا و المغرب و فلسطين* و سوريا** و تونس في الجنوب وأرمينيا و أذربيجان و روسيا البيضاء و جورجيا و مولدافيا و أوكرانيا في الشرق أمّا روسيا فهي معنيّة بأنشطة التعاون العابر للحدود في إطار سياسة الجوار الأوروبيّة دون أن تكون جزءا منها.
تدعم سياسة الأوروبيّة للجوار الإصلاحات السياسيّة و الاقتصادية في بلدان الجوار الأوروبي كوسيلة لدفع السلام و الاستقرار و الرّخاء الاقتصادي في كامل المنطقة و قد تمّ تصميمها للتّركيز أكثر من ذي قبل على العلاقات الثنائيّة بين الاتحاد الأوروبي و كلّ من بلدان الجوار.
[7] البيانات مأخوذة من تقارير الانجاز السنوية لسياسة الجوار الأوربي للفترة من 2007-2013
[8] http://www.dw.com/ar/%D9%85%D8%B5%D8%B1-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%87%D8%AC%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%B1%D9%82%D8%A9-%D9%84%D8%AA%D8%AD%D9%82%D9%8A%D9%82-%D9%85%D9%83%D8%A7%D8%B3%D8%A8-%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D8%A9/a-19493603
[9] http://refugeesps.net/post/2809/%D9%84%D9%82%D8%A7%D8%A1-%D9%85%D9%8A%D8%B1%D9%83%D9%84-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%B3%D9%8A-%D8%A7%D8%AA%D9%81%D8%A7%D9%82-%D9%84%D9%84%D8%AD%D8%AF-%D9%85%D9%86-%D8%AA%D8%AF%D9%81%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%A7%D8%AC%D8%A6%D9%8A%D9%86-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%85%D9%82%D8%A7%D8%A8%D9%84-%D9%85%D8%B3%D8%A7%D8%B9%D8%AF%D8%A7%D8%AA-
BLOG COMMENTS POWERED BY DISQUS